الكاتب: راميا محجازي صوت الوطن
من غير المستغرب, أن تحاول الأنظمة الاستبدادية والقمعية_الاستيطانية اغتيال المقاومات التي تقف في وجه مشاريعها, وطموحاتها ولكن الغريب أن تتخذ من قضية واحدة موقفين متناقضين, والأكثر غرابة أن تعينها قوى مقموعة على تحقيق أهدافها فتشوش صورة المقاومة وأهدافها وشرعيتها. يتضح هذا المشهد جلياً في كل من سوريا وغزة اليوم .

 في سوريا مثلاً , وبعد أن عرّت المظاهرات السلمية التي انطلقت منذ عام 2011, نظام الأسد و أظهرت وحشيته واستبداده ضد شعبه, وبعد تسارع وتيرة العنف, والهمجية التي أثارت الرأي العام العالمي تجاه انتهاكاته وإجرامه, نجد الأسد يستنسخ الأسلوب الصهيوأميركي في تدمير قوة الشعوب المناهضة لمشاريعه, ويتبع الإستراتيجية ذاتها بهدف خلط الأوراق وتغيير مسار الثورة السورية لما يخدم مصالحه, ويمد في أمد سلطته على البلاد. بدأ مخططه بتجديد ضمانه لأمن إسرائيل الحدودي مع الأراضي السورية وتهدئة مجلس الأمن الدولي بالتنازل عن المخزون الكيماوي السوري, و من ثم اعتمد على خبرته العريقة مع الشعب السوري, ليخترق المعارضة السياسية والكتائب الجهادية المقاومة, في محاولة منه للقضاء عليها من خلال ضرب الكتائب فيما بينها لاستنزاف قوتها وزعزعة تماسكها, وخلق الصراع السياسي بين قادتها حتى تتآكل وتسقط كل منها الأخرى, فتدمر بنيتها, و تُجرّد من قيمتها ومصداقيتها أمام الرأي العام السوري والعالمي, وبذلك تفقد ثقة الشعب و تحطم آماله في تشكيل حكومة مقنعة فيما لو تم إسقاط حكومة الأسد, ويخلق الشك في اعتمادها بديلاً مقنعاً يمكن الأخذ بقراراته واعتماده كممثل حقيقي وشرعي للبلاد. 

ابتداء من كلمة " الله أكبر"، التي كانت تلهب قلوب العالم و مشاعره عندما تطلقها حناجر الثوار المقاومين والمستضعفين أثناء تحملهم آلام التعذيب على أيدي جيش النظام وشبيحته, يخرج الأسد على العالم, ويتفنن في إخراج مشهد مزرٍ, ومنفر, مشهد يصور شبيحته أثناء جز أعناق السوريين بالسكاكين والسواطير ومناشير الحديد مع إعلاء كلمة "الله أكبر", و تتحول عبارة الله أكبر إلى عبارة إرهابية و كأن الله قد أمر بذبح البشر ذبح النعاج ساخراً من الاتكال على الله في طريق بحثهم عن الحرية و العدالة و المساواة عن حقوق الإنسان المهدورة مع الدماء التي تنزفها شرايين الأطفال و الشيوخ و النساء الذين لا يملكون القدرة على الدفاع عن النفس و لا سند لهم غير الله أكبر .- وانتهاء بالوسائل الإعلامية المضللة والخطابات الكاذبة التي يصدّرها للشعب السوري اليتيم و للعالم, حول مكافحته الإرهابين, والإسلاميين المتطرفين, في رغبة مصطنعة لإعادة الحريات, واستعادة الأمن الذي فقده السوريين. مستغلاً هلع السوريين من الوقوع بين براثن التنظيم التكفيري الأسود(داعش).

يتشابه المشهد مع مشهد أهل غزة , الذين شهدوا حرباً إعلامية شعواء, تحاول النيل من شرعية مقاومتهم وتشويه صورتها, والتقليل من مصداقيتها, وازدادت هذه الحملة ضراوة بعد أن جرّت حماس نتنياهو خارج قبته الحديدة, واغتالته سياسياً, وإنسانياً, واستنزفت الاقتصاد الإسرائيلي  وضعضعت الوضع الأمني, والنفسي لإسرائيل وخصوصاً, بعد الاجتياح البري والجوي المتهور, الذي أقدمت عليه ببنك أهداف فارغ إلا من التوقعات الواهمة, لقد خرجت إسرائيل بعد أكثر من شهر من القصف الحاقد على قطاع غزة الصغير؛ دون أن تدمر كابوس الأنفاق الذي يقض مضجعها, و دون أن تجهز على صواريخ القسام التي هزمت أسطورة تفوقهم, والأهم بأنها ارتدعت بقوة لأول مرة بعد الخسائر البشرية والسياسية والعسكرية غير المسبوقة التي تكبدتها إثر تجرُّئها على المقاومة. 

للأسف وبعد كل ما قدمته حماس المقاومة من تضحيات و انتصارات تتهم بالتطرف, واستخدامها أهالي غزة كدروع بشرية, وبأن صواريخها ورقية خالية من الرؤوس المتفجرة حتى إن البعض شبهها بالألعاب النارية, وقال ساخراً : إن الأجدر بحماس أن تبني الملاجئ لأهل غزة بدلاً من الأنفاق, متجاهلاً ما حققته المقاومة من انتصارات, و تشابكت خيوط التآمر الداخلي والخارجي لدفعها لقبول اتفاقيات مجحفة في حق أهلنا في غزة. و ما زالت أبواق إسرائيل وعملائها التافهين تنفخ الكير لحرق المقاومة وسلبها شرعيتها بأنكر الأصوات تخرج بها المنافذ الإعلامية بوقاحة معلنة فخرها بما ترتكبه إسرائيل .

في الوقت الذي نرى فيه التدخل الإيراني سافراً في سوريا  مشاركاً لنظام إجرامي,  يحارب أهل بلده , و يساهم معه في ذبح الشعب و تدمير ذاكرته التاريخية و حضارته نجد الدعم الإيراني الواضح لغزة سياسياً وعسكرياً مما يجعله سنداً – في الوقت الحالي – لغزة , يلبي بعض احتياجاتها النضالية, وخصوصاً بعد انحياز أغلب الحكومات العربية العلني والمقزز للانتهاكات الإنسانية بحق أهلنا في غزة .   
ويطرح السؤال : لم تعدّ إيران المقاومة في غزة مشروعة , في حين تحرم فيه على الشعب السوري حق الحرية و حق الحياة بل لا نجدها تعترف بحق من حقوق الإنسان لطفل أو امرأة أو شيخ ؟!
 
والجواب لا يحتاج إلى الكثير من العناء فمتطلبات الامتداد الفارسي في المنطقة تقتضي شرعنة قانون الغاب حيث البقاء للأقوى , وإيران التي تقيم العلاقات الودية والاقتصادية مع إسرائيل و تدلل اليهود على أراضيها, لا يناسبها أن تنافسها إسرائيل في القوة و ليس لها غير حماس أداة تستنفذ طاقتها لتنفرد في الآخِر بحكم الشرق بلا منازع .