بقلم : ماجد توية قد لا يكون مستغربا إقدام الرئيس الأميركي الأهوج، دونالد ترامب، على تنفيذ وعده المشؤوم بنقل السفارة الأميركية في دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى القدس المحتلة، أو الاعتراف بالأخيرة عاصمة للكيان الأسرائيلي، فالرجل غارق في أزمة داخلية قد تكلفه حياته السياسية ومستقبل إدارته، بعد أن باتت التحقيقات والشهادات تضيق الخناق على رقبته في قضية الاتصالات بالروس خلال الانتخابات وقبلها للتدخل بالانتخابات.

الهروب من الأزمة بإشعال أزمة أخرى أو حتى حرب ليس بغريب عن عالم السياسة ومقامراتها، والتي لا تنجو وللأسف منها حتى الدول الديمقراطية وصاحبة المؤسسات العريقة، لذلك فإن هذا الرئيس المأزوم والغارق في عقلية الاضطهاد والاستهداف له من قبل الإعلام والقضاء والسياسيين المنافسين كما يتوهم، لن يتردد في الهروب إلى فتح أزمة خطيرة كإصدار قرار لم يقدر عليه أسلافه بنقل سفارة بلاده إلى القدس، ومنح إسرائيل المباركة الأميركية الرسمية بسيادتها على المدينة المقدسة عاصمة لأبشع وآخر الاحتلالات التي تلوث وجه البشرية اليوم.

قد يعتقد ترامب أن القرار الخطير الذي يتعارض مع الشرعية والقرارات الدولية، وفيه اغتصاب أميركي آخر لحقوق الشعب الفلسطيني وللأمتين العربية والإسلامية في أقدس مقدساتها، يمكن أن يمر في ظل حالة الهوان والضعف العربي، وحالة الانقسام غير المسبوقة بين الدول العربية، لكن ذلك بلا شك فهم قاصر وفيه مقامرة تطال أول ما ستطال المصالح الأميركية، خاصة وأنها ستترك المنطقة المشتعلة أصلا على فوهة بركان جديد نظرا لما تشكله القدس برمزيتها وقداستها من أهمية لأكثر من مليار إنسان. وعلى ترامب أن يستمع جيدا لنصائح وتوصيات مؤسساته التي تحذره من الإقدام على مثل هذه الخطوة، لآثارها السلبية الكبيرة.

الخطوة التصعيدية الأميركية المرتقبة ستعيد خلط أوراق المنطقة كلها، وهي كفيلة بإشاعة موجة غير مسبوقة من عدم الاستقرار نعتقد أن الرئيس الأميركي لا يقدر خطورتها ومداها. وسيكون إحدى ضحايا هذه السياسة الرعناء ما تحقق من إنجازات وانتصارات دولية وإقليمية على جبهة الإرهاب في سورية والعراق وغير مكان، فالمس بأقدس مقدسات المسلمين والمسيحيين بهذا الاستخفاف كفيل بتأليب العالمين العربي والإسلامي على الولايات المتحدة وسياساتها ومصالحها، وسيمنح الجماعات المتطرفة من قاعدة و"داعش" وغيرها أكسير حياة جديدا!

الشعب الفلسطيني وكل قواه الوطنية لا يمكن أن يسلموا بقبول أو تمرير مثل هذه الخطوة العدائية من قبل الولايات المتحدة ضد المصالح الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في أرضه وعاصمته القدس، فعلى أسوار هذه المدينة المقدسة ليترقب ترامب وإدارته سقوط مشروعه الوهمي بما عرف بصفقة القرن، التي يريد من خلالها أخذ كل شيء لصالح إسرائيل ودون أن يفرض عليها أيا من الاستحقاقات الرئيسية للسلام كما تحددها قرارات الشرعية الدولية.

ورغم كل حالة الإحباط التي تعتري النفوس جراء الوضع العربي المتشظي والانقسامات التي تضرب يمينا وشمالا بالخريطة العربية اليوم، فإن من الوهم الاعتقاد بأن العرب يمكن أن يقبلوا بتمرير الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة للكيان الاسرائيلي المحتل، والضرب بعرض الحائط بمصالح وحقوق وثوابت هذه الأمة، خاصة وأن الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة لم تسلم رغم كل النفوذ الإسرائيلي والصهيوني بمصادرة مثل هذه الحقوق.

إذا ما نفذ ترامب وعوده لاسرائيل خلال حملته الانتخابية وأقدم على خطوته الهوجاء بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان المحتل، فإن مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، والاشتعال ستكون بانتظار هذه المنطقة.. بل والعالم كله، ومن الغباء وعدم الفطنة الاعتقاد بأن ترامب وإدارته سيكونان حينها قادرين على إطفاء ما يمكن أن يكون قرارهما العدائي بحق أكثر من مليار إنسان قد أشعله!