بقلم : جلبير الأشقر كان من الطبيعي أن يثير قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة للدولة الصهيونية ضجة كبيرة ترافقت كالعادة لدينا بلغط سياسي عظيم. ومن طرائف المنطق السياسي المنتشر في منطقتنا أن ترتفع أصوات تواجه توالي الضربات التي نُمنى بها بالتصعيد، وكأن الحكمة الاستراتيجية تقضي برفع سقف المطالب كلّما تمّ تلقّي ضربة! فها أننا نسمع من كل صوب أصواتاً تدعو إلى الردّ على قرار ترامب بالإعلان عن سقوط «حل الدولتين» والتمسك ببرنامج «الدولة الواحدة». فلنتأمّل في الأمر.

السؤال الأول الذي يفرض نفسه هو: ما الحصيلة الاستراتيجية لقرار ترامب؟ هل يشكّل ذلك القرار تبدّلاً في موازين القوى لغير صالح القضية الفلسطينية؟ هل انتقلت به واشنطن إزاء الدولة الصهيونية من موقع الوسيط المحايد إلى موقع الحليف المتواطئ، كما سمعنا حتى كدنا نطرش؟ في الحقيقة، لم يحصل مثل هذا الانتقال سوى في ذهن الذين كانوا يعتقدون أن واشنطن وسيطٌ محايد (أما أكثر الذين كانوا يدّعون ذلك فكانوا ينافقون)، والأمر غنيٌّ عن التعليق. 

في الحقيقة أفاد ترامب القضية الفلسطينية بصورة جليّة عن غير قصد: فقد حقّق إجماعاً دولياً ضده وضد حبيبه بنيامين نتنياهو في الشأن الفلسطيني، لم نشهد مثله منذ الاحتلال الصهيوني للخُمس المتبقّي من فلسطين في عام 1967. وقد تبلور ذلك في إجماع أعضاء مجلس الأمن الدولي ضد واشنطن منفردة، وشمل تراجع حكومات عربية كانت تنوي المضي قُدماً في طعنها الشعب الفلسطيني في الظهر واضطرارها إلى اللحاق بإجماع الدول العربية والإسلامية كما تجلّى في اسطنبول. والمحصّلة أن موازين القوى الدولية تحسّنت لصالح القضية الفلسطينية، مع علمنا بالطبع أن سقف الإجماع المذكور هو ما يقرّ به القانون الدولي من رفض للضمّ الإسرائيلي للأراضي المحتلة سنة 1967 ومطالبة بانسحاب الدولة الصهيونية منها.

فيكون منافياً لأبسط حنكة سياسية لو قرّر الفلسطينيون في هذه اللحظة التاريخية بالذات التخلّي عن التفوّق الذي يمنحهم إياه القانون الدولي في موضوع أراضي 1967 والإعلان عن عودتهم إلى برنامج «الدولة الواحدة» بين البحر والنهر، أي البرنامج القصوي الذي كانت منظمة التحرير الفلسطينية تنادي به حتى أضاف إليه المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 برنامج إقامة سلطة وطنية مستقلة «على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها».

أما السؤال الآخر الذي لا بدّ من تناوله فيتعلّق بما يُسمّى «حل الدولة الواحدة» الذي ينادي به بعض أنصار القضية على أنه يختلف عن برنامج تحرير فلسطين الذي قامت عليه م. ت. ف. ويُسقط المنادون بهذا «الحل» تجربة أفريقيا الجنوبية على الحالة الفلسطينية، فيصوّرون المشكلة الرئيسية وكأنها مشكلة «أبارتهايد» (أي نظام التمييز العنصري الذي كان قائماً في جنوب أفريقيا) يمكن حلّها بتحقيق المساواة في الحقوق بين الإسرائيليين اليهود والفلسطينيين القاطنين بين البحر والنهر. هذا التصوّر يتغافل عن أن قضية فلسطين هي قضية احتلال في المقام الأول وأنها قضية «لاجئين» مطرودين من وطنهم التاريخي في المقام الثاني، وأن هذين الأمرين لا يمكن حلّهما سوى بتفكيك بنى الدولة الصهيونية تفكيكاً جذرياً وليس بمجرّد منح حقوق على غرار ما جرى في أفريقيا الجنوبية في عام 1994. والحال أن التصوّر المذكور، لو سرنا به حتى غايته المنطقية، إنما يفضي في الساحة الفلسطينية إلى المطالبة بحق الفلسطينيين قاطني الأراضي المحتلة سنة 1967 بالاقتراع في انتخابات الكنيست الإسرائيلي والكفّ عن النضال ضد المستوطنات الصهيونية إذ أن الضفة الغربية جزء من «الدولة الواحدة» المنشودة. والحال أن دولة واحدة لا يمكن أن تعني في إطار موازين القوى القائمة سوى ضمّ الدولة الصهيونية لكافة الأراضي الفلسطينية التي احتلتها قبل نصف قرن ونيّف.

ويتناقض هذا التصوّر مع الإجماع الفلسطيني كما جرى رسمه في «وثيقة الأسرى الفلسطينيين» في عام 2006 التي أعلن بندها الأول «إن الشعب الفلسطيني في الوطن والمنافي يسعى من أجل تحرير أرضه وإنجاز حقه في الحرية والعودة والاستقلال وفي سبيل حقه في تقرير مصيره بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها مدينة القدس الشريف على جميع الأراضي المحتلة عام 1967، وضمان حق العودة للاجئين، وتحرير جميع الأسرى والمعتقلين، مستندين في ذلك إلى حق شعبنا التاريخي في أرض الآباء والأجداد، وإلى ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي، وما كفلته الشرعية الدولية».

هذا الأفق وحده يسمح بالجمع بين النضال من أجل برنامج الحد الأدنى القائم على تحرير كافة الأراضي المحتلة سنة 1967 وإنجاز حق تقرير المصير الفلسطيني عليها، وهو لا يعدو تحقيقاً جزئياً لذلك الحق، وبين النضال في سبيل البرنامج الوطني الأساسي الذي يقوم بحدّه الأقصى على تحقيق حق العودة إلى كافة أراضي فلسطين التاريخية والقضاء على الصهيونية بوصفها برنامجا استعماريا استيطانيا ومؤسسات دولة تجسّد هذا البرنامج. وبفضل قرار ترامب فقد أعطي برنامج الحدّ الأدنى الفلسطيني دفعة قوية بعدما كان قد أصيب بالضمور من جرّاء السياسات العقيمة لسلطة رام الله التي تخيّلت أنها سوف تحقق «دولة مستقلة» عن طريق التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي والمراهنة على العرّاب الأمريكي للدولة الصهيونية.

وإن كان من قرار لا بدّ منه إزاء الوضع الجديد، فهو إنهاء ذلك التعاون وتلك المراهنة بصورة حاسمة، والاستناد فعلاً، لا قولاً وحسب، إلى الأداة الوحيدة التي يستطيع الشعب الفلسطيني من خلالها تحقيق التقدّم في أوضاعه، ألا وهي النضال الشعبي ضد الاحتلال الذي شكّلت انتفاضة 88ـ1987 المجيدة ذروته حتى يومنا.

٭ كاتب وأكاديمي من لبنان