بقلم : محمد كريشان الآن وقد عاد الهدوء إلى شوارع المدن التونسية واستطاعت الحكومة أن تمسك بزمام الأمور من جديد وتعلن جملة من الاجراءات لاحتواء الموقف، سيكون من باب التيه استئناف الحياة الطبيعية للتونسيين دون فتح «ورشة تفكير» كبيرة يشارك فيها الجميع ويتصارح فيها الجميع لأن ما كل مرة تسلم الجرة. 
ما جرى بالضبط من مظاهرات ليلية، لا موجب لها وحق التظاهر مكفول طوال هذه السنوات في وضح النهار، وما جرى من عمليات تخريب وحرق للممتلكات العامة والخاصة، يفترض أن يحاسب المسؤولون عنها ومن يقف وراءها ومن حرض عليها أو شجعها من أطراف داخلية وربما حتى خارجية لا تريد لهذه التجربة التونسية أن تزدهر وتتقدم، كل هذا الذي جرى يفترض أن يدق جرس خطر كبيرا أمام الجميع، لا أحد معفيا على الإطـلاق، لأن أي هزة أخرى، حقيقية أو مفتعلة، داخلية صرفة أو لا، قد لا تخرج منها البلاد سالمة. 
وإذا ما أردنا، في عناوين أساسية تحتاج طبعا إلى تفصيل وتعميق، أن نشير إلى أبرز الدروس المستفادة من هذه «الخضة» الأخيرة، التي لحسن الحظ لم تستمر طويلا، فإنها ستكون إجمالا كالتالي وموجهة إلى هؤلاء تحديدا: 
ـ السلطة الحاكمة بمختلف مؤسساتها الكبرى من رئاسة الدولة إلى رئاسة الحكومة إلى البرلمان. كل هؤلاء مدعوون جميعا إلى إبداء أكثر جدية وصلابة في تسيير دواليب الدولة والابتعاد بها عن تجاذبات «القيل والقال» التي ما كان لها أن تنتعش، بالصحيح والكاذب، لو كانت هناك نزاهة وانضباط في إدارة الشأن العام. لم يعد مقبولا مثلا أن يستمر التعاطي مع رئيس الدولة ونحن لا ندري متى يمارس صلاحياته الحقيقية ومتى يتجاوزها؟ متى يتصرف كرجل دولة متمرس ومتى يخضع لتجاذبات الأسرة أو اللوبيات؟ ما هو الوزن الحقيقي لرئيس الحكومة وهل تراجعت صلاحياته أمام رئيس الدولة رغم أنف الدستور؟، وهل صحيح أن كثيرين يضعون له العصي في الدواليب ومن هم هؤلاء أصلا؟؟ ما جدية هذه الحرب على الفساد التي يخوضها؟ وهل صحيح أنها تعاملت بانتقائية مع الفاسدين؟ ثم ماذا عن مجلس النواب الذي باتت أكثر جلساته في قاعة شبه خالية مع مداخلات نواب تفتقر في كثير من الأحيان إلى الجدية اللازمة في طرح قضايا على قدر من الخطورة؟
ـ عموم الناس الذين أدمنوا للأسف الشديد، بسبب عدد من الخيبات، التفرج وكثرة الملاحظات وتقريع الجميع دون أن يقوموا هم بما هو مطلوب منهم قبل محاسبة الآخرين. بمعنى أدق، أغلب التونسيين بعد رحيل بن علي وبعد تفشي نوع من خيبة الأمل من الطبقة السياسية الجديدة إرتضوا عدم الجدية في العمل والركون إلى المطلبية وحب الاحتجاجات والاعتصامات مقابل إهمال شبه كامل لواجباتهم في العمل الذي بدونه ستنهار الدولة. أوضح مثال وأفقعه عمال النظافة الذين تحسنت رواتبهم وتمتعوا بالرعاية الصحية والاجتماعية لكن الشوارع لم تعد بتلك النظافة التي كانت عندما كانوا يتقاضون ثلث رواتبهم الحالية تقريبا!!
ـ الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر نقابة عمالية وصاحبة التاريخ العريق في البلاد، يبدو أنه لا يرغب، أو ربما لا يقدر، على مواجهة هذه العقلية الأخيرة التي تحولت إلى ما يشبه محاولة سلب الدولة كل مقدراتها دون أن يقدم لها شيئا. الكل يسعى لافتكاك أقصى ما يمكن من «المكاسب» من دولة يعلم الجميع أنها ليست دولة غنية قادرة على توزيع «الغنائم» دون أن تهتز وتدخل في دوامة من ارتفاع التضخم والمديونية وتعطيل قدرتها على التنمية وبالتالي على التشغيل للحد من نسب البطالة المرتفعة. 
ـ الطبقة السياسية التي لم يجانب رئيس الحكومة يوسف الشاهد الصواب عندما قال قبل أيام إنها لا تحظى بالثقة. هذه الطبقة، وأحزابها التي هي أكثر من الهم على القلب، لم تعد قادرة على التأطير المحكم للناس. «حركة النهضة» هي أقواها إلى حد الآن لكن هذه الحركة ظلت حركة لمنتسبيها القدامى والمنتفعين الجدد من حولها فيما خاب أمل من ظن أن حركة «نداء تونس» يمكن أن تشكل بديلا مقنعا وجامعا. أما بقية الأحزاب فدكاكين متناثرة بعضه لم يستطع حتى أن يخرج من الخطابات الحماسية أيام الجامعة. وبين هذه «المسالك» الرسمية المتداخلة ظل الشباب التونسي، عماد البلاد ومستقبلها، قابعا على الهامش إما في البطالة أو في التنفيس على نفسه عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليس أكثر.
تونس ما زالت استثناء في ثورات الربيع العربي وهي قادرة على أن تظل كذلك وتتقدم أكثر وأكثر شرط أن «يقف لها الجميع» على حد تعبير الشهيد شكري بلعيد. بهذا فقط يغلق الباب أمام المجهول وأمام المتربصين…. وما أكثرهم.

٭ كاتب وإعلامي تونسي